محمد بن جرير الطبري
47
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قراء الكوفة : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ بفتح الياء وتشديد الفاء من قولهم : زفت النعامة ، وذلك أول عدوها ، وآخر مشيها ؛ ومنه قول الفرزدق : وجاء قريع الشول قبل إفالها * يزف وجاءت خلفه وهي زفف وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة : " يزفون " بضم الياء وتشديد الفاء من أزف فهو يزف . وكان الفراء يزعم أنه لم يسمع في ذلك إلا زففت ، ويقول : لعل قراءة من قرأه : " يزفون " بضم الياء من قول العرب : أطردت الرجل : أي صيرته طريدا ، وطردته : إذا أنت خسئته إذا قلت : اذهب عنا ؛ فيكون يزفون : أي جاءوا على هذه الهيئة بمنزلة المزفوفة على هذه الحالة ، فتدخل الألف . كما تقول : أحمدت الرجل : إذا أظهرت حمده ، وهو محمد : إذا رأيت أمره إلى الحمد ، ولم تنشر حمده ؛ قال : وأنشدني المفضل : تنمي حصين أن يسود جذاعه * فأمسي حصين قد أذل وأقهرا فقال : أقهر ، وإنما هو قهر ، ولكنه أراد صار إلى حال قهر . وقرأ ذلك بعضهم . " يزفون " بفتح الياء وتخفيف الفاء من وزف يزف وذكر عن الكسائي أنه لا يعرفها ، وقال الفراء : لا أعرفها إلا أن تكون لغة لم أسمعها . وذكر عن مجاهد أنه كان يقول : الوزف : النسلان . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قال : الوزيف : النسلان . والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه بفتح الياء وتشديد الفاء ، لأن ذلك هو الصحيح المعروف من كلام العرب ، والذي عليه قراءة الفصحاء من القراء . وقد اختلف أهل التأويل في معناه ، فقال بعضهم : معناه : فأقبل قوم إبراهيم إلى إبراهيم يجرون . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ فأقبلوا إليه يجرون . وقال آخرون : أقبلوا إليه يمشون . ذكر من قال ذلك : محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قال : يمشون . وقال آخرون : معناه : فأقبلوا يستعجلون . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، عن أبيه فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قال : يستعجلون ، قال : يزف : يستعجل . وقوله : قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لقومه : أتعبدون أيها القوم ما تنحتون بأيديكم من الأصنام ، كما : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ الأصنام . وقوله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل إبراهيم لقومه : والله خلقكم أيها القوم وما تعملون . وفي قوله : وَما تَعْمَلُونَ وجهان : أحدهما : أن يكون قوله : " ما " بمعنى المصدر ، فيكون معنى الكلام حينئذ : والله خلقكم وعملكم . والآخر أن يكون بمعنى " الذي " ، فيكون معنى الكلام عند ذلك : والله خلقكم والذي تعملونه : أي والذي تعملون منه الأصنام ، وهو الخشب والنحاس والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم . وهذا المعنى الثاني قصد إن شاء الله قتادة بقوله الذي : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ بأيدكم القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ . . . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ يقول تعالى ذكره : قال قوم إبراهيم لما قال لهم إبراهيم : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ